الخميس، ١٥ فبراير ٢٠٠٧

قصاصة ورق

لم يتصور محمود ان الأمطار بهذه الغزارة في الخارج عندما اصرفي عناد علي مغادرة المنزل رغم نصائح صديقه له بالانتظار حتي توقف المطر, وهو الآن لا يريد أن يبدو كالأبله إن عاد مرة أخري ..
الشمس كانت قد غربت قبل وقتها المعهود بفعل تلك الغيوم الرمادية التي تغطي السماء..
ومضات البرق الخاطفة تنير للحظات ثم يعود الظلام مرة أخري, وصوت الرعد يبدو له كسقوط صخور من قمة جبل..
الامطار تتدفق بغزارة لم يرها مثلها ربما منذ ان كان طفل صغير, عندما كنت يغافل أمه ليقف تحت الأمطار وهو يردد تلك الأغاني التي تعبر عن سعادته بسقوط المطر "يا مطرا رخي رخي..."
لطالما اثارسقوط الأمطار اهتمامه وحيرته !
وكثيرا ما سئل أمه كيف تسقط هذه الأمطار ؟ ..وكانت إجابتها بان هناك في السماء البعيدة سحابتين يصطدمان إحداهما دافئة والاخري باردة مسببة سقوط المطر تثير خياله وهو يتصور كيف يحدث هذا ...
"
اهههه اهههه" يبدو ان جسده المنهك لم يعد يتحمل البرد او المطر .. قد تسبب عبث الطفولة هذا بالتهاب رئوي لازال يعاني اثاره حتي الان !
بدأ يبحث عن أي وسيلة مواصلات عبثا , الشارع كان شبه خالي من المارة او السيارات ..
احكم المعطف حول جسده وبدأ يسير بخطوات حثيثة باحثا عن ملجأ يحتمي فيه..
اههههه .. جسده يرتجف وقد أحس أن المعطف المشبع بالأمطار قد ازداد ثقله علي جسده التي أنهكه طول السفر وهذا المرض الصدري اللعين الذي ضاعف عمره وجعله يبدو اكبر بكثير...
علا للرصيف مبتعدا عن تلك البحيرات التي بدأت تتكون بفعل المطر..الدقائق تمضي متثاقلة وهي يمشي وبدا له انه يجتاز طريقا لا نهاية له ...
اثار انتباهه اللافتة المضاءة بالنيون والتي تعلو واجهة احدي "الكافيتريات" , وقد وجدها فرصة سانحة لاحتساء مشروب دافئ ومكان مناسب للانتظار حتي تتوقف الأمطار ..
ما ان أصبح في الداخل حتى اختار احد الطاولات المجاورة للنافذة ليتمكن من مراقبة الأمطار عبر الزجاج الموصد " يبدو إن الطفل القابع داخله مازال يسعد برؤية الأمطار"
أثناء جلوسه اخذ يتفحص المكان , وكما المتوقع كانت "الكافيتريا" تكاد تخلو من الرواد ,لحظات وجاء النادل يسأله عما يريد ...طلب مشروب كاكاو دافئ ليعطيه بعض الإحساس بالدفء ...
أعاد التجوال ببصره في المكان ...
توقف بنظره عند تلك الفتاة القابعة بمفردها في ذلك الركن الخافت الإضاءة...
كانت الفتاة يبدو عليها القلق والتوتر وكأنها تنتظر احد ما وقد اظهر ذلك دقات أصابعها علي الطاولة وحركاتها المتشنجة وثورتها في وجه النادل عندما اقترب منها..
انتبه, مع وضع النادل للكوب أمامه وقد تعلق نظره بالبخار المتصاعد من المشروب الساخن وما لبث أن احتضن الكوب بيديه كي يستمد من حرارته إحساسا الدفء...
ارتشف بضع رشفات وهو يتلذذ بالمشروب الساخن يدفئ عروقه المتصلبة من برودة الجو ..
أصاخ السمع لتلك الموسيقي الكلاسيكية الهامسة التي تنبعث من مكان ما, ورغم انه لم يحب يوما هذه النوعية من الموسيقي إلا أن صداها تغلغل إلي نفسه, فقد أشعرته بحالة الخواء العاطفي التي يعيش فيها..
لقد مر بالكثير من تجارب الحب دون أن يشعر بمعني الحب الذي طالما قرأه في الروايات وفاضت به كلمات الشعراء..
هل الحب حقيقة موجود ؟
كثير من أصدقائه كانوا يحدثونه عن قصص حبهم المشتعلة وتلك الحالة الذي يشعر فيها الإنسان انه معلق في الفضاء وقد حرره الحب من قوانين الجسد المادية, ثم تكون دهشته عندما يجد نهاية اغلب قصص الحب تلك بصورة غير متوقعة بل وحمل بعضها نهاية ذات طابع مأساوي ..
عاد ببصره مرة أخري لتلك الفتاة .. وتلك المرة كان هناك شخص أخر يجالسها, وكان يبدو من حركات يده وملامح وجهه انه يصب علي الفتاة سيلا من حمم غضبه...
أثار انتباهه السكون العجيب التي صارت عليه الفتاة وملامح الذهول التي ارتسمت علي وجهها..
ثم إذ بهذا الشاب يقوم فجأة ثم يخرج من سترته ورقة , ما لبث أن قام بتمزيقها وقاذفا بها في وجه الفتاة التي لم يصدر عنها اي رد فعل وقد ظلت علي تلك الحالة من الجمود..
عبر النافذة الزجاجية لاحظ توقف المطر, أخرج ورقة نقدية وهو ينادي علي النادل..
صوت تحطم زجاج أثار انتباه الموجودين, كانت الفتاة قد سقطت علي الأرض..
أهرع مع آخرين لمكان الفتاة التي كانت ملقاة علي الأرض مع بعض شظايا الكوب المكسور وعلبة أقراص فارغة..
..
صيحات تطلب البحث عن طبيب ..وأخري تقترح طلب الإسعاف..
لفت انتباهه وفضوله تلك القصاصات الممزقة علي الأرض, انحني لالتقاط بعضها..
في بعض تلك القصاصات طالع
"
توقيع: مروة...توقيع: هاني..زواج